الشيخ محمد رشيد رضا
194
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الاجماع خاص بهم وكذلك استنباط الاحكام الفرعية خاص بهم ، ومهما اشتدت حاجة المسلمين إلى استنباط أحكام لوقائع وأقضية جديدة فلا يجوز لاحد أن يستنبط لها حكما ، وان ما تنازع فيه المسلمون لا يجوز رده إلى اللّه ورسوله بعرضه على الكتاب والسنة والعمل بما يهديان اليه بل يجب أن يقلد كل طائفة من المسلمين من شاؤوا من المختلفين في الاحكام الشخصية ويتبعوا الحكام في غيرها ، ولا ضرر في اختلافهم وتفرقهم شيعا وان تفرقت كلمتهم في الاحكام والقضايا وفي العبادات حتى صار الحنفي يمكث في المسجد وامام الشافعية يصلي الصبح بالمنتسبين إلى مذهبه فلا يصلي هذا الحنفي معهم حتى يجيء امام مذهبه فيأتم به وقف المسلمون في دينهم وشريعتهم عند الكتب التي ألفها المقلدون في القرون الوسطى وما بعدها ولكن الزمان ما وقف حتى صار حكمهم فريقين كما تقدم وصار الناس ينسبون كل ما هم عليه من الضعف والوهن والجهل والفقر إلى دينهم وشريعتهم وسرى هذا الاعتقاد إلى الذين يتعلمون علوم أوروبا وقوانينها فمنهم من مرق من الاسلام وفضل تلك القوانين على الشريعة ، اعتقادا منهم أن الشريعة هي ما يعرفه من كتب الفقه وهو لا يعرف من القرآن ولا من السنة شيئا ، ومنهم من تركوا العمل بهذا الفقه في السياسة وأحكام العقوبات وأحكام المعاملات المدنية واستبدل بها القوانين الأوربية ، فصارت حكومتهم أمثل مما كانت عليه فقوبت بذلك حجة أهل القوانين الوضعية ، على أهل الشريعة الإلهية ، فظنوا أنها حجة على الشريعة نفسها وقام طلاب إصلاح الحكومة في الدولتين العثمانية والإيرانية من المتفرنجين يطلبون تقليد الإفرنج في إصلاح قوانين حكومتهما لأنهم جاهلون بما في القرآن الحكيم من أصول حكومة الشورى وتفويضها إلى أولي الامر الذين تثق بهم الأمة وتعول على رأيهم إذا كان فقهاؤنا لا يبالون بما يقول فينا أهل العصر لأجلهم ولأجل بعض كتب الفقه فيجب أن يبالوا ولا يرضوا بأن ينسب الجمود إلى أصل الشريعة من كتاب اللّه تعالى وسنة رسوله ( ص ) نعم انهم لا ينكرون هذه الأصول ولكنهم يقولون إنه لا يوجد في المسلمين الآن ولا قبل الآن بقرون من هم أهل للاجماع ولا لاستنباط الاحكام التي تحتاج إليها الأمة من الكتاب والسنة . وما دام المسلمون راضين بهذا